إصدارات المركز الإعلامي للإخوان المسلمين

 

 

 

الملهم الموهوب

 

 

صفحتنا بيضاء

 

 

أبحاث ودراسات

 

 

من معين التربية الإخوانية

 المركز الإعلامي للإخوان المسلمين

20 - 3 - 2020م

25 رجب 1441 هـ

العدد 1066

 

مقال الأسبوع

 

 

الإسراء والمعراج

عبرة وعظة

 

الإمام حسن البنا

 

﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ (الإسراء: 1).

ذكرت حديث الإسراء والمعراج بالأمس، فطافت بالنفس هذه الخطرات: أليس من المفارقات العجيبة أن تهتم الأمة الإسلامية أعظم الاهتمام بالاحتفال بذكرى الليلة العظيمة التي أسرى الله فيها بالنبي صلى الله عليه وسلم من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى؛ حيث أراه من آياته الكبرى، وتجلى عليه بالنعمة العظمى، وهذا المسجد الأقصى والأرض المباركة حوله وفلسطين المقدسة مهددة كلها بهذه الغارة الشعواء من: مطامع اليهودية، وأضاليل الإمبراطورية البريطانية والحكومة الأمريكية، والمسلمون في بقاع الأرض ينظرون ولا يتحركون، ويقولون ولا يفعلون، وغيرهم جادون ماضون إلى ما يريدون!

الإسراء والمعراج، موضوع لا يُعالجه الإخوان كقصة، وإنما يُعالجونه كعبرة وعظة من جانب، وكدافع للعمل من جانب آخر وحسبنا فيه – كقصة - ما جاء به القرآن الكريم، أن الله تبارك وتعالى قال في الإسراء والمعراج: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ (الإسراء: 1).

ففي هذه الآية التصريح بالإسراء، ومن لطائفها ذكر المسجد الأقصى، مع أن المسجد الأقصى لم يكن مسجدًا اصطلاحًا، بل معبدًا، فإطلاق الله تعالى عليه مسجدًا فيه حافز للمسلمين ليفتحوا هذا المسجد، وليستولوا على هذه البقعة المباركة، ويناضلوا عنها، ويحافظوا عليها، حتى لا يخرج من أيديهم، وفيه بشارة بأنه سيكون مسجدًا، وأنه سيظل كذلك ولو كره الكافرون، وجزى الله تعالى ضيف مصر العظيم، سماحَة المُفتي الأكبر الحاج "أمين الحسيني" رحمه الله تعالى الذي تعرَّض لسفك دمه مرات كثيرة ليظل المسجد الأقصى مسجدًا، ولقد عرض عليه اليهود نصف مليون جنيه ليتنازل عن ثلاثة عشر مترًا في المسجد الأقصى، فأجاب في إيمان الواثق: "والله لو جمعتم مال اليهود في العالم ما تركت لكم نصف متر".

والواقع أنها معجزات الإسلام، وأسباب من أسباب الصيانة أن يُسخِّر اللهُ أمثال سماحة المفتي لمِثْل هذه المواقف العظيمة، وكما أشار الله- تبارك وتعالى- إلى الإسراء، أشار إلى المعراج في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى* عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى* عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى* إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى* مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى* لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى﴾ (النجم 13: 18).

أوليس من المفارقات العجيبة كذلك أن تستعرض الأمة المسلمة في هذه الليلة كيف أن الله تبارك وتعالى رفع فيها نبيها العظيم فوق السموات العُلا، بل إلى حيث جاوز سدرة المنتهى، ثم دنا فتدلى، فكان قاب قوسين أو أدنى.

وتقرأ قول الله تبارك وتعالى: ﴿وَللهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ (المنافقون: 8) إلى جانب قول هذا النبي العزيز صلى الله عليه وسلم: "من أعطى الذلة من نفسه طائعًا غير مكره فليس مني"، وتردد الآية الكريمة: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَنْ كَانَ يَرْجُو اللهَ وَالْيَوْمَ الآَخِرَ وَذَكَرَ اللهَ كَثِيرًا﴾ (الأحزاب: 21)، ثم هي بعد ذلك ترضى بالدون من المنازل، وتقنع بالذليل من الأوضاع، وتجيء في أخريات الأمم والشعوب، وتستكين لسلطان الغاصبين والظالمين، وقد وعدها الله أعظم مثوبة المجاهدين؟!

فيا أمة النبي العظيم عليه الصلاة والسلام، اعتزي وتعلمي وجاهدي، وآمني بالله أعمق الإيمان، وفي ذلك الفوز المبين ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ (التوبة: 105).

واللَّهَ نسأل أن يعيدَ لهذه الأمة مجدَها وعزَّها، إنه تعالى أكرمُ مسئول، وأفضل مأمول، وصلَّى الله على سينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

 

العدد (48 ) من جريدة الإخوان المسلمين اليومية

السنة الأولى، 28 رجب 1365ه / 28 يونيو 1946م

 

 

 © 2020 جميع الحقوق محفوظة للمركز الإعلامي للإخوان المسلمين