|
نتكلم عن تجربة
إسلامية
تغييرية قادمة في الحكم
ثانيا: العادل الكامل
(8)
قال تعالى: (إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا
بالعدل إن الله نعمّا يعظكم به إن الله كان سميعاً بصيراً)
(النساء: 58).
تأدية الأمانات والحكم بالعدل أوامر ربانية، وهي
وإن لم تكن كل شيء في الأوامر، إلا أنها أهم الأعمدة لقيام
الحياة على صلاح الناس ووصولهم إلى مجتمعات راضية مطمئنة
آمنة على حياتها وأعراضها وأموالها وحقوقها وكرامتها،
متفاعلة مجتهدة من أجل قيام دول صالحة فالحة متقدمة، سائرة
بالأمة إلى حيث تأخذ مكانها الذي تستحقه كأمة ذات تاريخ
تفاعلي، قاد العالم مدة قرون طويلة، إذ كان النور يشع من
أطرافه، وحقق قدوة ومصدر اقتباس تعبر من خلاله حضارة -
مهما قيل فيها وعنها - كانت ألمع الحضارات وأكثرها هدىً
وعدلاً.
وكذلك فإن تأدية الأمانات والحكم بالعدل هما
القيّمان على ما أراده الله للإنسان ولحياته ليقوم الناس
بالقسط؛ إذ قال رب العزة: (لقد
أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم
الناس بالقسط...) (الحديد: 25).
ولا يظنن أحدٌ أن تأدية الأمانات تكون مقصورة
على أمانة مالية أو غير مالية تكون عند شخص فيعيدها إلى
صاحبها. كلا، إن الأمانة شاملة؛ فقد تكون سياسية أو
اجتماعية عامة أو علمية أو أدبية أو أمانة حكم أو أمانة
العدل والحرية، إلى آخر ما هنالك من معانٍ عامة وشاملة لكل
مناحي الحياة (إنا عرضنا الأمانة
على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها
وحملها الإنسان إنه كان ظلوماً جهولاً) (الأحزاب:
72).
إن التجربة الإسلامية الحالّة في الحكم داخل
عدد من الأقطار، مثل مصر وتونس والمغرب، والمرشحة لتكون
حالّة في أقطار أخرى إن شاء الله، مثل ليبيا واليمن
وسوريا، أقول: إن هذه التجربة لتكون سائرة فوق سكة تأدية
الأمانات وإقامة العدل الكامل والقسط بين الناس، مدعوة في
مسيرتها لخدمة أمتها خدمة خالصة لوجه الله، ومخلصة في
النصح لشعوبها، وهي بذلك تكون مستجيبة لتوجيه رسولنا
الكريم القائل: (الدين النصيحة)
قلنا: لمن؟ قال: (لله ولكتابه
ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم) رواه مسلم. وكذلك
فإنها بتلك الاستجابة تكون متفاعلة مع العناوين التالية:
1- وإنها لدولة مدنية ذات مرجعية تنتمي لتاريخ
طويل عربي وإسلامي الثقافة والاجتماع بعيد عن
(الثيوقراطية)، قريب من المشتركات الإنسانية التي تنظمها
الفطرة التي أودعها الله في الإنسان منذ خلقه، حيث ركز فيه
معرفة الخير والشر، والضار والنافع، وما تعترف به وتقره
العقول السليمة الخالية من الشذوذ.
2- وإنها لدولة العقد الاجتماعي بين الحاكم
والمحكوم، الذي يبني رؤاه بشأن مهام الدولة وأعبائها ضمن
ما قاله منظرونا الأوائل بشأن هذا العقد وتُبرز الخلاصة في
قولهم ذلك واقع أن الدولة تقوم على سياسة الناس في معاشهم
بالعدل والعناية بمآلاتهم الأخروية.
3- وإنها (الدولة) التي يحكمها عقد، (والعقد
شريعة المتعاقدين)، كما تقول النظم السياسية الحديثة، وكما
أقرته شرائع الأمة منذ مجيء الإسلام، إذ قال رسول الله صلى
الله عليه وسلم: (والمسلمون عند
شروطهم...) جزء من حديث صحيح رواه أحمد وأبو داوود
والدار قطني والحاكم. ويكفينا مؤونة الجدل في الوفاء
بالعقد قول ربنا جل في علاه: (يا أيها الذين آمنوا أوفوا
بالعقود) (المائدة: 1).
وهي الدولة التي يُختار حكامها اختياراً حراً
(ديمقراطياً) من قبل الأمة، ويكون هؤلاء الحكام مسؤولين
أمام الأمة تحاسبهم وتراقبهم تجاه التزامهم في العقد
المبرم، وللأمة الحق بإقالتهم أو عزلهم إذا لم يؤدوا
الواجب الذي اختيروا من أجله، و في فقه الأمة الكثير من
المواصفات والتفاصيل التي تغني موضوع الاختيار الحر، وتغني
في موضوع إدارته وكيفيته وشروطه، كما تتكفل بشرح ملابسات
قد تعتري بعض العقول بسبب التعيين المسبق للإمام أو الرئيس
الذي لا يتعدى في الفقه الإسلامي أكثر من ترشيح تعطيه
البيعةُ إذا عُقدت الشرعيةَ والنفاذَ.
5- وإذن فهي دولة مواطنة ومساواة لجميع مكونات
الشعب؛ عرقية كانت أم دينية أم سياسية. وقد كانت وثيقة
المدينة المنورة التي ضمت المسلمين مهاجرين وأنصاراً من
جهة، واليهود من سكان المدينة من جهة ثانية أول وثيقة تؤصل
للمواطنة وواجباتها وحقوقها، حيث مضت أمتنا في هذا الاتجاه
للمواطنة والمساواة على مدى القرون برضى وطمأنينة لم
تدانها في ذلك تجربة أخرى حتى اليوم.
6- وهي دولة التعددية والحرية والتمثيل لكل
مكونات المجتمع دون تمييز، وهي دولة تُتداول فيها السلطة
والسلطان بحرية تامة، حيث يقوم فيها التنافس الحر بين
الأحزاب والجمعيات في حدود الرؤى الرئيسية للمجتمع. وبذلك
تكون منظمات المجتمع المدني متاحة للجميع في دولة تجربة
الإسلاميين، بعيداً عن ثقافة الإقصاء المتبعة من
العلمانيين ومن يسمون بالليبراليين وسعيهم الدائب لإبعاد
الإسلاميين عن السياسة بشتى الادعاءات الزائفة.
7- وهي دولة مشاريع التنمية والتقدم
والمؤسسية ودولة القانون والقضاء النزيه، وكل ذلك دعماً
للمساواة، ودعماً للاقتصاد، وتخفيفاً من آثار الفقر
والبطالة، ورفعاً لمستوى الحياة مادياً وأخلاقياً وثقافياً
وصحيّاً، ورعاية - بصورة خاصة - للفئات الضعيفة من الشعب
لإلحاقها بالمشاركة الفعالة في سياسة البلاد واقتصادها.
وفيما يخص قطاع الشباب، فالواجب الملح هو تخصيص أولوية لهم
في العمل والتعليم والمشاركة الفعالة في السياسة والبناء
الاقتصادي والثقافي والاجتماعي: (وقل
اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون)
(التوبة: 105)، وبذلك تتحقق تأدية الأمانة ويقوم العدل
واقفاً مع الجميع بالمساواة.
|