هذا الأسبوع

مقال فضيلة المرشد

من أخبار الدعوة

أخبار عامة

دراسات وتحليلات

تربويات

الصفحة الأخيرة

أسئلة واستفسارات

روابط

اتصل بنا

الرسالة  PDF

 

إإصدار: المركز الإعلامي للإخوان المسلمين

25-7-2008

22 رجب 1429 هـ

العدد 560

 

نقاط فوق الحروف

بقلم: محمد السيد

 

عندما تخترق سنن الله في الكون والخلق

 

          قال تعالى: (ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس ليذيقهم بعض الذي عملوا لعلهم يرجعون) (الروم : 41).

          الأسئلة:

          هل الحداثة هي الجديد والجدة؟ وهل نظرية (حتمية التقدم) واقعية..؟ فيقال: إن البشرية دائماً في حالة تقدم؟ وهل كل جديد يندرج في معرض الخير والنفع للبشرية والفرد والأمم؟ وهل كل ثورة اجتماعية كانت أم سياسية يمكن إدراجها في باب الخير البحت واجب التعميم؟ و هل اعتماد العقل مرجعية وحيدة كان حداثة خيرة، خصوصاً عندما تؤخذ نتائجه دون مناقشة؟ إنها مجموعة أسئلة نلقيها على من كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد على كوارث ميدانية، تتجلى في كل باب من أبواب الحياة البشرية والكونية اليوم، أنتجتها قواعد الحداثة الأوروبية، التي تتعامل مع المبادئ والأفكار، والتطبيقات الميدانية التقنية والعلمية والفكرية والسياسية والاقتصادية، ومبادئ الاجتماع والعلوم الإنسانية بعيداً عن السنن الربانية التي رسخها رب العزة في أساس الوجود، وذلك ليكون هذا الوجود صالحاً مهيأً للحياة البشرية السديدة، إذ بهذا البعد عن السنن تتحول الحياة إلى جحيم لا يطاق، وذلك مصداقاً للبيان البليغ القائل: (ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس) أي أن الحداثة التي اكتسبها الإنسان بفعله وقوله وتفكيره ووسائله وآلياته المستجدة، بعيداً عن الاحتكام للسنن، أظهرت الفساد الكوني، والحياتي، والبيئي، وقوانين المسيرة العادلة للإنسان، وهو ما يجعلنا نؤكد على خطأ حتمية التقدم، أو أن كلَّ جديد يُعدُّ تقدماً..!!

          أقول قولي هذا وفي عصرنا الكثير من إشارات الخطر، منها ما يتعلق بالحياة الإنسانية، ومنها ما يتعلق بالبيئة، ومنها ما يتعلق بما هو وسائل تسير في طريقها لتدمير السنن الربانية، وذلك كله ما يجعل الحياة غير ميسرة للمخلوقات فوق الأرض وفي الجو وفي البحار.

          إجابات مختصرة فيما يتعلق بالجدة والتقدم:

          وهنا نعمد إلى عرض بعض الحقائق وتوضيح أبعادها للقارئ؛ ليتبين له خطل القول: بأن كل جديد هو تقدم للإنسانية، بينما هو في الحقيقة اعتداء على السنن الرباني، الذي يفسد الحياة، ويدمر انسجام الأرض والكون مع الحياة الإنسانية، وفيما يلي بعض تلك الحقائق القولية والفعلية:

          أ- قال دوق إدنبره (الأمير فيليب) زوج الملكة إليزابيث ملكة بريطانيا في نادي روما قبل سنوات: أتمنى لو أنني أعود بعد الموت (بالتقمص) فيروساً قاتلاً؛ كي أقضي على كل الناس الذين يولدون زيادة على الحدود .. وزيادة الحدود هنا يعني بها الزيادة التي تحرم الغربيين من التمتع بثروات البلاد المتأخرة. (نقلاً عن الجزيرة 8 / 7 / 2008 في برنامج الاتجاه المعاكس ) قاله عمرو سالم وزير سابق، أرأيت كيف تفعل الحداثة بقيم الإنسان؟

          ب- قضى البريطانيون على السكان الأصليين في جزيرة (تسمات)، وقضوا أيضاً على السكان الأصليين في أستراليا، وذلك لينفردوا بالاستمتاع بالثروات وحدهم، وجعلوا جرائمهم هذه قائمة على خلفية نظرية دوران التفوقية العنصرية (لا يبقى إلا الأفضل) فكل الناس (الدون) يجب أن يموتوا إما بالأمراض، أو بالقتل، أو بالتجويع، وقد فعلوا ذلك في إمبراطورية الهند البريطانية، التي سلطوا عليها الجوع يأكل ملايينها بين سنة وأخرى: ففي سبعينيات القرن التاسع عشر، حصدت المجاعة التي افتعلها البريطانيون ثمانية ملايين من ناس الهند، بينما كان التاج البريطاني (العصر الفكتوري) يحتفل في الوقت نفسه بشكل باذخ، وفي حفل فخم ضخم دعي إليه ستون ألفاً من البيروقراطيين والموظفين من بريطانيا والهند، أكلوا أفخم الطعام، وشربوا أغلى الشراب الحرام، وتكررت المجاعات في الهند بافتعال بريطاني، كي يقللوا من شراكة الهنود لهم بثروات تلك البلاد الغنية، ففي الثمانينيات والتسعينيات من القرن التاسع عشر، كانت المجاعات تحصد ثلاثين مليوناً من النفوس البائسة في الهند، دون أن تبدي الإدارة البريطانية أي اهتمام، إذ كان الأمر مقصوداً ومراداً. وهكذا كانت نظرية داروين مصنوعة على عين الإمبرياليين الغربيين، ليقضوا من خلالها على جماهير غفيرة من الناس، ويستأثروا هم بالثروة، فلم تكن النظرية الحداثية علمية ولا منطقية، ولكنها حاجة من حاجات الاستعمار، و هذه هي الحداثة التي قدمت الإنسان الأصلي فداءً لرفاه الغازي!

          ج- ومثل ذلك جرى في أمريكا الشمالية، إذ قتل الملايين من أهل الأرض الأصليين، كي يتفرد الغربيون المستعمرون الجدد بالاستمتاع بثروة الأرض الجديدة الوافرة، وكان الجديد هناك هو قتل الإنسان بالسلاح الذي أنتجته الحداثة الغربية، وبالاعتداء على ممتلكاته وموجوداته والتفرد بها.. إنها حداثة الغربي تغزو الأمريكيتين، معتمدة على فلسفة البقاء للأفضل، ولم يكونوا هم الأفضل، ولكنهم كانوا يمتلكون السلاح الأفتك..!!

          د- من مقال لنعوم تشومسكي نشر في مجلة (وجهات نظر) عدد (44) أيلول 2002م، تحت عنوان (إرهاب الرد على الإرهاب) يقول: لقد قتل النظام العنصري الغربي في جنوب إفريقيا أكثر من مليون ونصف المليون من الأفارقة، ودمّر من ممتلكاتهم ما يقدر بأكثر من ستين مليار دولار، وذلك خلال ثمانية أعوام 1980-1988م. وهكذا هي الجدة والحداثة تقدم في طريق تدمير الحياة.

          هـ - قتل الصربيون في البوسنة أكثر من مئتي ألف مسلم تحت نظر وبصر الأوروبيين.

          و- أكثر من مليون قتيل في الحرب الأمريكية على العراق وأكثر من خمسة ملايين مهجر، فضلاً عن تدمير مقومات العراق، وهي حرب لا مبرر لها، إلا الأطماع والجشع وسيلان اللعاب على ثروات العراق، وحماية الصهاينة الذين يقومون بمجازر أخرى في فلسطين، يبتغون من ورائها تركيع العرب والفلسطينيين، ليبقى للغربي ميزة الاستمتاع بتخلف الإنسان العربي المسلم حيث يبقونه غير القادر على استغلال أرضه، وما تحتويه من كنوز وثروات .. إلا ما يطاله من فتات يلحقه من ثروة البترول، وبعض المواد الأولية، وحتى هذا الفتات يعود العربي المسلم ليشتري به المواد الغذائية بالأسعار التي يفرضها الغربي.

          هذه هي بعض مرئيات الجديد الحداثي الغربي، التي يحثنا كثير من أبناء جلدتنا للحاق بها، والاقتداء بمرئياتها، مع أنهم يعلمون علم اليقيين أن الرأسمالية والعولمة المتوحشتين هما ثمرة من ثمرات الحداثة، كما أنهم يعلمون أن الاستعمار الغربي القاتل المتوحش المستعبد للأمم والناهب لثرواتها، هو من ثمرات الحداثة، وكانت الفاشية والنازية والحربان العالميتان اللتان أودتا بأرواح ما لا يقل عن سبعين مليوناً من الناس، فضلاً عن تدمير نصف العالم، ثمرة الجديد الغربي المبتعد عن السنن الربانية .. ويجب أن لا ينسى هؤلاء ما يفعل بالمسلمين في أفغانستان والشيشان وكشمير، بفعل غربي حداثي مباشر، والسؤال الملح هنا هو: هل يُسَوِّغ انبهارُنا ببعض من التقدم العلمي والتقني، الذي يُسخَّرُ جزءٌ كبيرٌ منه لقتل الإنسان والاعتداء على كرامته تسمية هذه الجرائم بالتقدم والحداثة؟! ولا يفوتنا في هذا السياق التذكير بجرائم تلك النظريات الحداثية المتعلقة بالسياسة والاقتصاد والاجتماع والبيئة، وما يتعلق بالمرأة والشاذين والمثليين، تلك النظريات التي عملت وتعمل على تقويض السنن الكوني الرباني في الظاهر، بينما تشكل مآلاتها عقاباً من الله للإنسان السادر وراء عقله وحداثته الزائفة. ومن ذلك العقاب هذا الضنك الحياتي في العيش والبيئة والغلاء، والكوارث الطبيعية غير المألوفة، وارتفاع درجة حرارة الأرض والاحتباس الحراري الذي ينذر بمآلات مأساوية، وهو مصداق قوله تعالى: (ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى) (طه: 124).

 

 © 2008  جميع الحقوق محفوظة للمركز الإعلامي للإخوان المسلمين