|
نفحات في ذكرى نبي
سطعت شمسه في العالمين
قال تعالى: (محمد
رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم تراهم
ركعاً سجداً يبتغون فضلاً من الله ورضواناً سيماهم في
وجوههم من أثر السجود)
(الفتح: 29).
ربنا غسلت وجودنا وأدراننا بأنوار نبي سطعت شمسه في
العالمين، فكان نبتة رضعت نسغها من أرض مباركة عمرت فيها
بيتك الحرام، بأيد طاهرة وأرواح زكية: (وإذ
يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل ربنا تقبل منا إنك
أنت السميع العليم)
(البقرة: 127). وكان حياة سكنت نبض الأولين والآخرين،
فجعلت منه أرضاً معطاءة، تزخر بالحنين إلى جنات بهجة،
نعيمها لا حدود له، وظلها وارف بالعدل والأمن ونظافة
الإنسان: (لقد
جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم
بالمؤمنين رؤوف رحيم)
(التوبة: 128).
كان زماناً مهتدياً، ممتداً مع الأيام حتى نهايتها، حصاده
رجال غير ملتصقين بالتراب: (رجال
لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقام الصلاة وإيتاء
الزكاة يخافون يوماً تتقلب فيه القلوب والأبصار)
(النور: 37) .. وقد أطلعت قلبي على أنوار زمانه، وأهديت
بصيرتي عنوان كتابه، فتلوت فيه قول ربه: (محمد
رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم تراهم
ركعاً سجداً يبتغون فضلاً من الله ورضواناً سيماهم في
وجوههم من أثر السجود)،
الذي رسم معالم طريق الوصول الآمن إلى حياة كريمة عزيزة
عالية ناهضة، والوصول الناجز إلى آخرة فاخرة، حيث الحروف
في الوصولين تتحول إلى منارات هدى، تزرع العزة والقوة،
وتنشر الرحمة، وتزخر بالعبودية الكاملة لمُنزل الكتاب، وكل
ذلك في آن واحد.
ويا قومي أخشى عليكم عطش الأيام وفرح اللئام، وأن يقودكم
ذلك إلى ابتلاع الكلام وشل العضد، إذا ما خبأتم أحرف النور
الآنفة في باطن الجبن، وداخل العقول المحاصرة بفكر الوصول
بلا ألم: (أم
حسبتم أن تتركوا ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ولم
يتخذوا من دون الله ولا رسوله ولا المؤمنين وليجة والله
خبير بما تعملون)
(التوبة: 16).
فإنه بين الوصول الآمن والوصول الناجز قفار وسهوب وصبر على
اللأواء وعض على الأصابع كثير، ومفارقة للمواءمات الخادعة،
تلك التي تعمل على الانزلاق في وهدات الخوف ( من .. ومن ..
) إذ عندما تفتح الدفاتر يكون ما تحت خداع النفس كثير من
غبش الرؤية، وقليل من الحصاد المنتظر، وسير مبتعد شيئاً
فشيئاً عن أنوار نبي سطعت شمسه في العالمين.
إنه ابن عدنان بن قيدار بن إسماعيل عليه السلام، فهو في
ذؤابة الشرف من النسب وجده الأحدث قصي الذي بدرايته وعلو
شأنه كوّن دولة مكة عام 440م. وإذن فهو النبي عالي النسب،
تقلد الفهم والحكمة والدراية كابراً عن كابر، حتى إذا ما
اختاره موجد الأكوان وخالق الإنسان من بين تلك الخيارات،
فهو خيار من خيار من خيار، كانت أمشاج العلا والهدى تجري
في عروقه، مرتعشة بها شفاهه، ومقيمة بها شغاف قلبه .. فهل
يحق لي والحال هذه أن أسألكم يا قوم يعرب: ما الذي فعلتموه
اليوم من أجل: (محمد
رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم)؟
أما كان الأجدر بكم أن تكونوا أجنحة ترفرف في الفضاء
الشاسع، تهدي للعالم الكلمات الرسالية، تخطها بـ(ادع
إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة)؟!
والحكمة هنا تأخذ لباس الحال، فليست هي الهدنة في كل حال.
أم ترى أنكم اكتفيتم اليوم بتوزيع منشورات إدانة قتل
القاتل الغاصب، تودعونها دفاتر الكذب التي تسِمُ وصايا
تنظيف الأوطان من الاغتصاب بالإرهاب، وقعدتم تنفضون من
قلوبكم آيات الجهاد، وتلقون بكلمة (أشداء)
في غياهب التفسيرات المبطنة بأعذار العجز وبراهين الركون
إلى النفس الأمارة وقوافي الخذلان، متناسين أن أقدام الهمج
لم تطأ هذه الأرض المباركة إلا بعد أن هزمنا في كياناتنا
حروف الشهادة والجهاد، ثم رحنا نشكك بإقدام من نفض عن
حذائه ريح الهزائم، وأفعم روحه بنداء الله: حي على (...)،
ومضى تشرق خطاه بضياء نهارات الهدى وشذا الشم الذين بنوا
لهذه الأمة مجداً لا تنتهي عجائبه، ما يزال وجود الأمة
يقتات من فتاته، ويعيش على بقايا عطره، الذي منه: (رباط
يوم في سبيل الله خير من ألف يوم فيما سواه من المنازل)
رواه الترمذي وقال حديث حسن صحيح. ومنه أيضاً ما رواه
النسائي بسند صحيح: (أن
رجلاً سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد وضع رجله في
الغرز: أيُّ الجهاد أفضل؟ قال: كلمة حق عند سلطان جائر)
. أوليس أجدر ما يُجاهد به الرجل هذه الأيام أن يطلق كلمة
حق بين يدي كثير من سلاطين الجور؟ وأخص بالذكر منهم
السلطان الفلسطيني، الذي نسي أن سبب وجوده على أرض فلسطين
هو شدة المجاهدين في وجه الغاصبين الظلمة، وأن سبب سلطته
وقيامه سلطاناً في فلسطين، إن هو إلا دماء من ضحوا في سبيل
تنظيف الأرض من أثر الأقدام الهمجية؟! وإذن فلماذا يذهب
هذا السلطان منتظراً على أرصفة الأعداء، يستجدي منهم
موعداً للجلوس على مائدة فاسدة، يسفح عليها بقايا كرامته
من أجل بطاقة مرور، كي يتحرك هنا وهناك، وكلما هدّته
تمرينات ترويض الأبالسة، وتوقف قليلاً عن تلقي شواظ تلك
الترويضات المهينة البائسة، حنّ ذله للعودة متناسياً قول
ربه: (هم
العدو فاحذرهم)،
فهم من ظلوا على مدى الزمان يخبئون أنيابهم خلف طاقم أسنان
مزيف، حتى إذا سقط السلطان في حفرة التفاوض تناوشته
الأنياب من جديد، فهو يجلس مع من أدار مذابح غزة، وغزا
أرضاً عربية لقتل ابن أمه في أحضان الأشقاء، وهو من غدا
يقضم الأرض والكرامة، يخادع نفسه ويوهمها أنه رأس رمح
للعرب، الذين اصطفوا يؤزونه ليرضخ لقرار اتخذه من امتهنهم
واستولى على قرارهم منذ قرن من الزمان وحتى اليوم. وصدق
صاحب الذكرى صلى الله عليه وسلم إذ قال: (ما
ترك قوم الجهاد إلا عَمّهم الله بالعذاب)
رواه الطبراني، وأي عذاب أشد مما حلَّ بنا من هوان..؟!.
|