إصدارات المركز الإعلامي للإخوان المسلمين

 

 

 

الملهم الموهوب

 

 

صفحتنا بيضاء

 

 

أبحاث ودراسات

 

 

من معين التربية الإخوأنية

المركز الإعلامي للإخوأن المسلمين

26 - 5 - 2017م

 29 شعبان 1438 هـ

العدد 948

 

 

تربويات

 

 

حقيقة شهر رمضان

 

حينما نرجع للمنهل العذب والمورد النقي لديننا الحنيف – القرآن والسنة – سندرك مدى الخلل الذي أصاب معارفنا، وتسلل إلى أفهامنا، فاختلت له تصرفاتنا.

فلننظر نظرة سريعة عاجلة عن حقيقة رمضان والهدف منه في هذه النصوص:

قال الله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون).

فنبه إلى أن الهدف من رمضان محاولة التحقق بالتقوى .. يقول الإمام ابن القيم: (وللصوم تأثير عجيب في حفظ الجوارح الظاهرة، والقوى الباطنة، وحميتها عن التخليط الجالب لها المواد الفاسدة التي إذا استولت عليها، أفسدتها، واستفراغ المواد الرديئة المانعة لها من صحتها، فالصوم يحفظ على القلب والجوارح صحتها، ويعيد إليها ما استلبته منها أيدي الشهوات، فهو من أكبر العون على التقوى كما قال تعالى: (يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون) – (البقرة:185- زاد المعاد 29/2).

فهل تقدر على التحقق بالتقوى القلوب اللاهية .. والبطون المتخمة .. والعقول الغافلة؟

وانظر كيف كان نشاط النبي صلى الله عليه وسلم وهو القدوة والأسوة لمن أراد النجاة .. كيف كان نشاطه في رمضان:

عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: (كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَجْوَدَ النَّاسِ، وَكَانَ أَجْوَدُ مَا يَكُونُ فِي رَمَضَانَ حِينَ يَلْقَاهُ جِبْرِيلُ، وَكَانَ يَلْقَاهُ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ مِنْ رَمَضَانَ فَيُدَارِسُهُ القُرْآنَ، فَلَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَجْوَدُ بِالخَيْرِ مِنَ الرِّيحِ المُرْسَلَةِ).

ثم انظر كم نخسر حين نضيع ليالي رمضان في اللهو والسمر: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (مَنْ قَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ).

وتأمل أيضاً كيف أن الأعمال في هذا الشهر مضاعفة:

فعند ابن خزيمة بسنده عَنْ سَلْمَانَ قَالَ: خَطَبَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي آخِرِ يَوْمٍ مِنْ شَعْبَانَ فَقَالَ: (أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ أَظَلَّكُمْ شَهْرٌ عَظِيمٌ، شَهْرٌ مُبَارَكٌ، شَهْرٌ فِيهِ لَيْلَةٌ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ، جَعَلَ اللَّهُ صِيَامَهُ فَرِيضَةً، وَقِيَامَ لَيْلِهِ تَطَوُّعًا، مَنْ تَقَرَّبَ فِيهِ بِخَصْلَةٍ مِنَ الْخَيْرِ، كَانَ كَمَنْ أَدَّى فَرِيضَةً فِيمَا سِوَاهُ، وَمَنْ أَدَّى فِيهِ فَرِيضَةً كَانَ كَمَنْ أَدَّى سَبْعِينَ فَرِيضَةً فِيمَا سِوَاهُ، وَهُوَ شَهْرُ الصَّبْرِ، وَالصَّبْرُ ثَوَابُهُ الْجَنَّةُ، وَشَهْرُ الْمُوَاسَاةِ، وَشَهْرٌ يَزْدَادُ فِيهِ رِزْقُ الْمُؤْمِنِ، مَنْ فَطَّرَ فِيهِ صَائِمًا كَانَ مَغْفِرَةً لِذُنُوبِهِ وَعِتْقَ رَقَبَتِهِ مِنَ النَّارِ، وَكَانَ لَهُ مِثْلُ أَجْرِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْتَقِصَ مِنْ أَجْرِهِ شَيْءٌ،

قَالُوا: لَيْسَ كُلُّنَا نَجِدُ مَا يُفَطِّرُ الصَّائِمَ،

فَقَالَ: يُعْطِي اللَّهُ هَذَا الثَّوَابَ مَنْ فَطَّرَ صَائِمًا عَلَى تَمْرَةٍ، أَوْ شَرْبَةِ مَاءٍ، أَوْ مَذْقَةِ لَبَنٍ، وَهُوَ شَهْرٌ أَوَّلُهُ رَحْمَةٌ، وَأَوْسَطُهُ مَغْفِرَةٌ، وَآخِرُهُ عِتْقٌ مِنَ النَّارِ، مَنْ خَفَّفَ عَنْ مَمْلُوكِهِ غَفَرَ اللَّهُ لَهُ، وَأَعْتَقَهُ مِنَ النَّارِ،

وَاسْتَكْثِرُوا فِيهِ مِنْ أَرْبَعِ خِصَالٍ: خَصْلَتَيْنِ تُرْضُونَ بِهِمَا رَبَّكُمْ، وَخَصْلَتَيْنِ لاَ غِنًى بِكُمْ عَنْهُمَا،

فَأَمَّا الْخَصْلَتَانِ اللَّتَانِ تُرْضُونَ بِهِمَا رَبَّكُمْ: فَشَهَادَةُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ، وَتَسْتَغْفِرُونَهُ،

وَأَمَّا اللَّتَانِ لاَ غِنًى بِكُمْ عَنْهمَا: فَتُسْأَلُونَ اللَّهَ الْجَنَّةَ، وَتَعُوذُونَ بِهِ مِنَ النَّارِ، وَمَنْ أَشْبَعَ فِيهِ صَائِمًا سَقَاهُ اللَّهُ مِنْ حَوْضِي شَرْبَةً لاَ يَظْمَأُ حَتَّى يَدْخُلَ الْجَنَّةَ).

فتأمل كيف ينبغي أن يكون شغلنا في هذا الشهر، ثم قارن هذا بالواقع الموجود.

 

الجانب الدعوي:

احرص أن يكون لك دور فاعل مع غيرك ممن حولك .. ثؤثر في مجتمعك بنشر الخير، وتنبيه العامة لما وفقك الله تعالى له من معرفة في دين الله تعالى، وتوجه الناس للطاعة وتعينهم عليها، وإليك بعض الوسائل لتضعها في برنامجك وتستعد لتنفيذها:

الاتفاق مع رفاقك وأصحابك للذهاب إلى المسجد للصلوات معاً.

أخذ أرقام الجوال (المحمول) من زملائك وممن يريد، لتتصل بهم في صلاة الفجر توقظهم، ويوقظونك (حدد مثلا عشرة توقظهم وتتفق معهم كل واحد يوقظ عشرة وهكذا .. لو استيقظ مائة مثلا فلك مثل أجرهم ولمن تعاون معك كذلك).

الاتفاق على جلسة تعليم تلاوة القرآن الكريم مع أحد المختصين أو من يتقنون تلاوة القرآن، وقتها بعد العصر مثلا أو بعد العشاء لمدة ساعة واحدة أو حسبما يتناسب.

الاتفاق مع بعض زملائك (ممن همتهم عالية) على صلاة التراويح في مسجد يصلي إمامه بجزء يومياً والتعاون على ذلك حتى تختم القرآن آخر الشهر.

المساهمة في عمل خيري كموائد الرحمن، وتوزيع الأغذية على الفقراء، وتوزيع التمر على الصائمين في الشوارع والمساجد.

إعداد صفحة إلكترونية على فيس بوك أو تويتر للتوعية عن فضائل الشهر ونشر القيم الإسلامية … أو إرسال رسائل عبر بريدك الإلكتروني لكل أصدقائك (لكن دون إسراف في الوقت خاصة لأن النت مضيع للوقت جداً).

الحرص على تعلم فقه الصيام، حاول قراءته من كتاب مبسط – كفقه السنة مثلاً أو غيره – واحضُر درساً فيه، وإن استطعت أن تنشره بين الناس فافعل بشرط ألا تفتي الناس فالفتوى لها أهلها المختصون بها ولا يجوز تعدي ذلك.

 

محاذير مهمة:

أود أن أنبه أخيراً الى آفات خطيرة يجب أن نحذر منها ونتنبه لها:

1- أحذر التلفاز:

فإن هناك الكثير ممن يسعون لتضييع ساعات رمضان الغالية في المسلسلات والبرامج وغيرها من مضيعات الوقت والدين، بما فيها من التبرج والاختلاط والغناء والرقص … فإن كانت قناة إسلامية فلا بأس بشرط ألا يضيع الوقت، وبحسب الفائدة.

2- إحذر الشبع:

لا تدمر فائدة الصوم بأن تملأ المعدة عند الإفطار، فإن الشبع مضيع لروحانيات الصيام، مقوٍ لشهوات النفس، يثقل المرء عن العبادة ويقعده عن الطاعة، فلا يقدر على صلاة التراويح وإن فعل كان غافلاً يستثقل الصلاة مهما خفت، ويستطيلها مهما قصرت، فيذهب يبحث عن أقل المساجد تلاوة وأقصرها صلاة ليتخلص من العبادة سريعاً .. فهل مثل هذا قد استفاد من صيامه أو انتفع بصلاته؟.

3- إحذر المعاصي:

إن الصيام المقبول ما صامت فيه الجوارح من المعاصي، مع البطن والفرج عن الشهوة.

يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (الصيام جنة، فإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يصخب – وفي رواية: (ولا يجهل) – فإن امرؤ سابه أو قاتله فليقل: إني صائم، مرتين) (متفق عليه عن أبي هريرة).

وقال عليه الصلاة والسلام: (من لم يدع قول الزور والعمل به، فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه) (رواه البخاري في كتاب الصوم).

وقال جابر بن عبد الله الأنصاري: إذا صمت فليصم سمعك وبصرك ولسانك عن الكذب، والمأثم، ودع أذى الخادم، وليكن عليك وقار وسكينة يوم صومك ولا تجعل يوم فطرك ويوم صومك سواء.

 

ابعث في قلبك الحياة

قال علي بن أبي طالب: "إن لله في أرضه آنية وإن من آنيته فيها القلوب، فلا يقبل منها إلا ما صُفِّي، وصَلُب، ورَقَّ"، فرقق قلبك وابعث فيه الحياة بمداومة ذكر الله تعالى، وانأ به عن التعلق بالدنيا، خصوصا في مواسم الطاعات، وتعلم من سليمان الخوّاص رحمه الله حيث قال: الذكر للقلب بمنزلة الغذاء للجسد، فكما لا يجد الجسد لذة الطعام مع السقم، فكذلك القلب لا يجد حلاوة الذكر مع حب الدنيا.

واعلم أن "القلب المحب لله يحب النصب لله عز وجل"  كما قال الإمام مالك.

وعَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم ضَافَهُ ضَيْفٌ وَهُوَ كَافِرٌ فَأَمَرَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بِشَاةٍ فَحُلِبَتْ فَشَرِبَ حِلاَبَهَا ثُمَّ أُخْرَى فَشَرِبَهُ ثُمَّ أُخْرَى فَشَرِبَهُ حَتَّى شَرِبَ حِلاَبَ سَبْعِ شِيَاهٍ ثُمَّ إِنَّهُ أَصْبَحَ فَأَسْلَمَ فَأَمَرَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بِشَاةٍ فَشَرِبَ حِلاَبَهَا ثُمَّ أَمَرَ بِأُخْرَى فَلَمْ يَسْتَتِمَّهَا .. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: (الْمُؤْمِنُ يَشْرَبُ في معي وَاحِدٍ وَالْكَافِرُ يَشْرَبُ في سَبْعَةِ أَمْعَاءٍ) رواه مسلم.

فالرجل الذي بات عند رسول الله صلى الله عليه وسلم هو نفسه الذي أصبح! فما الذي تغير فيه؟ لقد تغير فيه قلبه، عندما بعث فيه الحياة بإسلامه، فتغيرت جوارحه تبعا لذلك.

أما آن الأوان لكي نصحح وجهتنا إلى الله تعالى؟!

أما آن الأوان لكي نلملم شعث قلوبنا وما تبقى منها، ونقبل على الله؟

فكم من رمضان دخلناه وخرجنا منه بقلب لم يتغير!

وكم من موسم للطاعة مرّ علينا دون أن يغير في نفوسنا شيئا!

أعلن توبتك الآن قبل فوات الأوان، وفتش في قلبك عن الخير ونمه، وعن الشر فاقض عليه، واستعن بالبكاء بين يدي مولاك، فلسان الدمع أفصح من لسان الشكوى.

قال بعض السلف: رأيت شاباً في سفح جبل عليه آثار القلق ودموعه تتحادر، فقلت: من أين؟، فقال: آبق من مولاه، قلت: فتعود فتعتذر؟ فقال: العذر يحتاج إلى حجة ولا حجة للمفرط، قلت فتتعلق بشفيع؟ قال: كل الشفعاء يخافون منه، قلت: من هو؟ قال: مولى رباني صغيراً فعصيته كبيراً، فوا حيائي من حسن صنعه وقبح فعلي، ثم صاح فمات، فخرجت عجوز فقالت: من أعان على قتل البائس الحيران؟ فقلت: أقيم عندك أعينك عليه، فقالت: خلّه ذليلاً بين يدي قاتله عساه يراه بغير معين فيرحمه (المدهش لابن الجوزي.

وتقبل منا ومنكم.

 

 

 

 © 2017  جميع الحقوق محفوظة للمركز الإعلامي للإخوأن المسلمين