إصدارات المركز الإعلامي للإخوان المسلمين

 

 

 

الملهم الموهوب

 

 

صفحتنا بيضاء

 

 

أبحاث ودراسات

 

 

من معين التربية الإخوانية

إإصدار: المركز الإعلامي للإخوان المسلمين

26 - 5 - 2017م

29 شعبان 1438 هـ

العدد 948

 

 

هذا الأسبوع

 

 

خواطر في أجواء شهر القرآن

واستمرار المسيرة

 

بقلم: أ. إبراهيم منير

نائب المرشد العام لجماعة الإخوان المسلمين

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

(ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم، وتمت كلمة ربك لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين ..

وكلا نقص عليك من أنباء الرسل ما نثبت به فؤادك وجاءك في هذه الحق وموعظة وذكرى للمؤمنين) (هود: 118 – 119).

لم تأت قصص القرآن عبثا، نقف مع بعضها ونحن في شهر القرآن، ونبدأ مع إحدى ملامحها وإيحاءاتها مع سورة يوسف عليه السلام، مع قوله سبحانه وتعالى:

(ألر * تلك آيات الكتاب المبين * إنا أنزلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون * نحن نقص عليك أحسن القصص بما أوحينا إليك هذا القرآن وإن كنت من قبله لمن الغافلين).

بداية سورة يوسف التي نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم في فترة حرجة من فترات الدعوة إلى الله، مات فيها عمه أبو طالب الذي كان يناضل عنه، وماتت فيها السيدة الطاهرة خديجة بنت خويلد زوجته التي كانت له سندا ومعينا .. وليأتي فيها كما عاش ظلالها الشهيد سيد قطب:

(.. الإيحاء بمجرى سنة الله عندما يستيئس الرسل - كما استيأس نبي الله يوسف عليه السلام في محنته الطويلة .. والتلميح بالمخرج المكروه الذي يليه الفرج المرغوب .. الإيحاء والتلميح اللذان تدركهما القلوب المؤمنة، وهي في مثل هذه الفترة تعيش .. وفي جوها تتنفس .. فتتذوق وتستشرف وتلمح الإيحاء والتلميح .. من بعيد ..).

ويحكي التاريخ الذي حكاه القرآن الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه .. عن هذه القصة .. وعن غيرها من القصص التي جرت على أنبيائه ورسله .. وبهم .. وعلى من أعرضوا عنهم .. كيف أن الليالي المظلمة لابد أن يعقبها ضوء النهار المشرق .. وإن تعددت الأيام .. فإن نصر الله لدعوته هي سنته وحكمه الذي لا مبدل له.

 

2

ويأتي قدر الله سبحانه وتعالى بذكر قصة نبي الله نوح عليه السلام في سورة من سور القرآن باسمه، وتأتي الإشارة إلى بعثته وما تم فيها في أكثر من سورة، وكيف ظل نبي الله ألف سنة إلا خمسين عاما يدعو قومه .. حتى إذا بلغ بهم النكران جيلا بعد جيل ولمدة تسعمائة وخمسون عاما .. يقول القرآن الكريم عن نبي الله (فدعا ربه أني مغلوب فانتصر * ففتحنا أبواب السماء بماء منهمر * وفجرنا الأرض عيونا فالتقى الماء على أمر قد قدر * وحملناه على ذات ألواح ودسر * تجري بأمرنا جزاء لمن كان كفر..) (القمر: 10 – 14).

ويبقى التحذير الإلهي قائما (حَتَّىٰ إِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَن سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ آمَنَ * وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ) (هود: 40).

وتجري وجرت الأحداث .. والتحق الليل بالنهار .. وتعددت الساعات والأيام .. وانتصرت دعوة الله.

 

3

في عهد رسالة الإسلام الأولى في مكة وبعد أن أنذرت الدعوة إلى الله كل الآفاق، وفي لحظة خلوة رسول الله صلى الله عليه وسلم جالس فيها وحده في المسجد الحرام، جاءه (عتبة بن ربيعة) أحد سادة مكة يساومه صلى الله عليه وسلم على دعوته بإعطائه ما يطلبه من مال أو سلطة أو إعلانه ملكا على قومه في مقابل أن يتخلى عن ما جاء به ..

وتقول سيرة الهادي الأمين صلى الله عليه وسلم أنه جلس يستمع إلى هذا المبعوث حتى انتهى من عرضه فناداه بما كان العرب يحبون أن يناديهم به الناس وهي الكنية .. حتى ولو علم النبي أنه لن يؤوب ولن يرجع لأن ذلك أصل في الدعوة إلى الله فقد أمر الله سبحانه موسى وهارون باللين مع فرعون رغم أنه لن يؤوب ولن يتوب .. وجاءت المناداة الرسالية لممثل قريش (أفرغت يا أبا الوليد؟) لتسمعه بعد ذلك سورة فصلت: (حم * تَنزِيلٌ مِّنَ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ * كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِّقَوْمٍ يَعْلَمُونَ * بَشِيرًا وَنَذِيرًا فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ * وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِّمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِي آذَانِنَا وَقْرٌ وَمِن بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ فَاعْمَلْ إِنَّنَا عَامِلُونَ...) إلى آية السجدة.

وقام الرجل .. ولم يؤمن .. وانتصر الإسلام .. والتحق الليل بالنهار .. وتعددت الساعات والأيام .. وانتصرت دعوة الله.

 

4

وفي المدينة وفي السنة الرابعة بعد الهجرة إليها جاء حدث عظيم عندما اجتمعت على الدولة الوليدة كل القوى الرافضة للرسالة، واشتد الأمر على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى من معه إلى أن جاء أمر الله عز وجل بعد أن اكتملت حكمته من الابتداء لتبقى الحادثة ثابتة إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها بما جاء في سورة الأحزاب (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَّمْ تَرَوْهَا ۚ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا * إِذْ جَاءُوكُم مِّن فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا * هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا).

وجرت الأحداث .. والتحق الليل بالنهار .. وتعددت الساعات والأيام .. وانتصرت دعوة الله.

 

5

فزت ورب الكعبة:

تحكي سيرة دعوة الإسلام أن قوما طلبوا من رسول الله صلى الله عليه وسلم من يعلمهم قرآن ربنا، فأرسل معهم سبعين صحابيا من القراء فقتلوهم قبل أن يبلغوا المكان الذي كانوا يقصدونه فقالوا: اللهم بلغ عنا نبينا أنا قد لقيناك فرضينا عنك ورضيت عنا .. وأتى رجل إلى آخرهم إلى الصحابي الجليل حرام بن ملحان فطعنه برمح حتى أنفذه فقال حرام صرخته الباقية إلى يوم القيامة: فزت ورب الكعبة.

وفي المدينة المنورة جاء الوحي لرسول الله صلى الله عليه وسلم لينقل إليه رسالة أصحابه فقال: إن إخوانكم قد قُتلوا وأنهم قالوا اللهم بلغ عنا نبينا أنا قد لقيناك ورضينا عنك ورضيت عنا.

وصلت الرسالة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فكانت نقلة من مواقف الأنبياء والرسل عليهم جميعا صلوات الله وسلامه إلى التابعين .. لنقف مع هذه الحادثة التي وقعت بقدره سبحانه على دعاة للخير من أصحاب الرسول .. نتذكر بها مواقف أحباب رسول الله صلى الله عليه وسلم الذين جاءوا بعد إخوانه ورضوا عنه ورضي عنهم ببشراه في الحديث الكريم عن أحبابه الذين آمنوا به ولم يروه، نراهم الآن يلاقون في سجون الطغاة كما لاقى من كان قبلهم .. تنصب عليهم الآلام من قتل وصلب ليزحزحوهم عن ربانية الإله الخالق سبحانه إلى غيره من المتكبرين فيأتيهم الثبات بإذنه ليلتحق بعدها الليل بالنهار .. وتتعدد الساعات والأيام .. وينتصر وستنتصر دعوة الله بإذن الله.

6

على هامش أحداث الأسبوع

يضغط الحدث .. وتتداعى الصور .. ويقف الحيران أمام عواقب زيارة الرئيس الأمريكي ولقائه بزعماء العالم الإسلامي، لتقوم بعد سفره مباشرة هيئة تدعى (اعتدال) مهمتها كما أعلنوا عنها محاربة التطرف الإسلامي الذي أشار إليه الضيف المحتفى به .. ولتكون أولى كلمات من يمثلها وقبل أن يبدأ مهامه .. بالقول: (تاريخيا الإخوان المسلمون وراء كل تطرف .. وهم المظلة الحاضنة لكل الجماعات التكفيرية).

كلمات ألقى بها الرجل لتلتف حول عنقه إلى يوم يلقى فيه الله، وقبل أن يجهد نفسه ويقرأ ما أجهدت فيه الحكومات الكبرى في هذه الدنيا نفسها للبحث عن أي صلة للجماعة وفكرها بما يسمونه التطرف أو الإرهاب، وانتهت بتوصيف فيه من الاعتدال .. والعدل ما يفتقده أقوامنا عندما أعلنت وزارة الخارجية البريطانية توصيف الجماعة وفكرها بأنه (حاجز ضد التطرف)، ومثل هذا الموقف كان أمام الرئيس الزائر بعد توليه مسؤولياته لتواجهه تقارير أعتى أجهزة الدراسات والبحث في العالم التي انتهت إلى نفس النتيجة.

ومرة أخرى .. وثقة بالله سبحانه ووعده .. سيلتحق الليل بالنهار .. وتتعدد الساعات والأيام .. وستنتصر بإذنه سبحانه وتعالى دعوة ربنا.

 

 

 © 2017 جميع الحقوق محفوظة للمركز الإعلامي للإخوان المسلمين