هذا الأسبوع

مقال فضيلة المرشد

من أخبار الدعوة

أخبار عامة

دراسات وتحليلات

تربويات

الصفحة الأخيرة

أسئلة واستفسارات

روابط

اتصل بنا

الرسالة  PDF

 

إإصدار: المركز الإعلامي للإخوان المسلمين

25 - 7 - 2008

22 رجب 1429 هـ

العدد 560


هذا الأسبوع

أبدا .. لن تكون هذه بتلك

عمر البشير.ديتش - في مقابل - رادوفان كارا.ديتش

 

          وكأن كل البشر قد فقدوا عقولهم، أو هكذا يتصور أصحاب الأمر والنهي في هذا العالم، فمن المفترض أن نصدق أن اعتقال مجرم الحرب الصربي رادوفان كاراديتش مسألة صربية تماما على الرغم من أنها جاءت بعد أيام قليلة من مذكرة اعتقال الرئيس السوداني عمر البشير التي قدمها مدّعي محكمة الجنايات الدولية وأثارت لغطا وغضبا وقلقا عالميا على ما كان يسمى بالقانون الدولي والأعراف الدولية والتفريق بين الحروب الدولية والتطهير العرقي وبين حالات التمرد والعصيان العسكري المدفوعان بتدخلات دولية أو إقليمية بهدف تقويض أركان أي نظام أو دولة.

          مجرم الحرب الصربي الذي ظل طليقا مدة ثلاثة عشرة عاما بعد أن قاد عصابة من مجرمي الصرب قتل بها ثمانية آلاف مسلم في سريبرينتسا البوسنية واثني عشر ألفا من الكروات المسيحيين والبوسنيين المسلمين خلال حصاره لمدينة سراييفو وعلاوة على هؤلاء وأولئك لم يتوانى عن تهجير وقتل المزيد مما يصعب إحصاؤه لتسيطر القومية الصربية على المنطقة كلها في ظل تواطئ أوروبي ومناورة أمريكية أدت هدفها تماما سواء بالسكوت والتجاهل ثم بالتدخل العسكري .. هذا المجرم الذي كان يعمل طبيبا مدنيا خلع زيه المدني وارتدى بزة عسكرية يريدون باعتقاله وبعد تشكيل حكومة جديدة في بلاده بأسبوعين فقط أن يساووه بعمر البشير الذي يواجه بحكم مسؤوليته عن بلده تمردا وعصيانا مدفوعان من الخارج وارتضى كرئيس لدولة أن يخلع بزته العسكرية ليرتدي زيا مدنيا في ظل دستور ودولة تحاول أن تنهي القلاقل الداخلية.

          وفي هذا الأسبوع فإن السؤال الذي يلح طلبا للإجابة هو: هل كانت الحكومة الصربية بأجهزتها الأمنية والعسكرية طوال الثلاثة عشر عاما السابقة تجهل فعلا مكان رادوفان كاراديتش؟!، ثم اكتشفته فجأة الحكومة الجديدة بعد أسبوعين فقط من تشكيلها وقبل أن يصل إليها مدّعي المحكمة الدولية بأيام .. ليأتي الإخراج الدولي بهذه البساطة، لا ليؤكد أن هناك عدالة دولية فعلية ولكن ليؤكد أن هناك أصابع خفية وعلنية وراء إشعال الأحداث والفتن واستغلالها ثم توزيع اللعنات والبركات بحسب استجابة الأطراف الأخرى وبحسب ما يحقق مصالح أصحاب هذه الأصابع الشيطانية، والأشد فحشا أن يكون التطهير العرقي والقتل للقتل والقتل للسرقة (أرض، ثروات) وتحت أي مسمى حلال على البعض، ونماذج فلسطين وأفغانستان والعراق وقضايا كشمير والأقليات الدينية في أكثر من مكان في العالم هي نماذج لم يعد هناك مزيد من التعريف بها والكتابة عنها، بعد أن تم اختزال معاييرها أو تبديلها لتتيح    قتل رجل مثل الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات الذي استعصى عليه في آخر مراحل هجوم السلام (!!) الذي بدأه مع الكيان الصهيوني أن يتنازل عن ما يستر عورته، أو رجل آخر كالرئيس العراقي الأسبق صدام حسين الذي ساندوه وأمدوه بأسلحة الدمار الشامل عندما واجه إيران وأشعل حربا معها نيابة عنهم أبادت الملايين وأعقبها بغزو الكويت ثم انقلبوا عليه بحجج زائفة ليعلقوه علنا بحبل المشنقة في يوم عيد أضحى كذبيحة (رمزية) وانتهاك السند القانوني بحكم أنه كان رئيس دولة تم اجتياحها بأدلة فاسدة وكاذبة.

          نحن في جماعة الإخوان المسلمين لم نقف أبدا في صف أي ظالم ولم نعط أي مظلمة لأي إنسان أو شعب صفة أخرى غير أنها مظلمة يجب منعها ودفعها حتى ولو كانت المظلمة مجرد كلمة سوء أو خدش للكرامة الإنسانية، ومع دفع الضرر الذي يقع على الأفراد والشعوب بقواعد شرع الله سبحانه وتعالى، ونسعى إلى تحقيق عدالة تشمل الخلق جميعا لا تكون عدالة انتقائية ويجب أن يقوم بها أيدي نظيفة طاهرة غير مُغرضة وغير متآمرة، وندرك أن التاريخ الإنساني رغم نزول الكتب السماوية مليئ بالمظالم التي لم يردع أصحابها ترهيب من عدالة السماء في الدنيا والآخرة وهو تاريخ عاشه البشر وشهدوا على مآلاته، وندرك أيضا أن كل جيل مسؤول عما يقع في جيله من مظالم وعليه ردها عملا بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فلا تزر وازرة وزرى أخرى فهكذا أمرنا قرآننا، وأمام مسرحية اعتقال مجرم حرب البوسنة نتساءل هل نقف الآن مع صف     المُعَّزِين فيمن قتلهم هذا المجرم بدم بارد باعتبار أن يوم الثأر قد حان، أم نتمهل لننظر فيما وراء هذا الإخراج خصوصا وأن إخراج أحداث سبتمبر / أيلول النيويوركية قد بدأ غلافه في التمزق، فبرغم ما يُنشر ويذاع على لسان البعض وتحميلهم مسؤولية الحدث لتبرير كارثتي العراق وأفغانستان فما زالت الأسئلة كثيرة وبلا أجوبة مقنعة بدءً من الاستعداد للتصوير قبل الحدث والكيفية العلمية التي تهاوى فيها البرجان وليس انتهاءً بسبب سقوط البرج الثالث بنفس الطريقة رغم أنه لم يتعرض لا لقصف ولا اصطدام طائرة ..؟!

          ضحايا البوسنة يتساوون لدينا تماما مع أولئك الضحايا الذين حاصرتهم النيران في أبراج نيويورك وشاهدهم العالم كله وهم يلوحون من نوافذ الأبراج طالبين الإغاثة، وضحايا كردوفان ودارفور المهجرين والمقتولين ومن أصابهم الضُرّ لا يقلون إنسانية عن كل هؤلاء .. ولكن أين العدالة التي تبحث عن الحقيقة المجردة وليست تلك التي تكرر وبصورة هزلية الإخراج العبثي لسكوت العالم عن مذابح البوسنة حتى بلغ القتلى أكثر من ثلاثين ألفا، وأغمض عينيه عن المؤامرة النيويوركية التلفزيونية التي تتزايد مع الزمان ثغراتها.

          لحظة لاحترام العقول من فضلكم، فمسألة مجرم الصرب والتضحية به قد يكون موضوعا محليا تماما طمعا في الالتحاق بركب الاتحاد الأوروبي، إنما الإخراج باليقين يماثل الإخراج النيويوركي، وحتى ولو أُضيف إلى إسم الرئيس السوداني حروفا ليصبح (البشيرديتش) ليُقال لنا وللعالم كله أن واحدا بواحد .. فأبدا لن تكون هذه بتلك!!.

 

 © 2008  جميع الحقوق محفوظة للمركز الإعلامي للإخوان المسلمين